ابن عربي
294
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
قال لهم : « فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ » فإنه معكم أينما كنتم فيما تتناجون به ، فإنكم إليه تحشرون لذلك قال : « الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » وإن كان معهم ، فكنى بالحشر إذا فتح اللّه بإزالة الغطاء عن أعينهم ، فيرون عند ذلك من هو معهم فيما يتناجون به فيما بينهم ، فعبر عنه بالحشر للسؤال عما كانوا فيه ، فليتحفظ العبد في نطقه لعلمه بمن يسمعه ، وأنه مسؤول عن نطقه وأنه يتبع نطقه في عاقبة الأمر ليقرأ كتابه حيث كان ذلك الكتاب . [ سورة المجادلة ( 58 ) : الآيات 10 إلى 11 ] إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 10 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 11 ) [ « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » الآية : ] اعلم أن الرفعة للّه سبحانه بالذات وهي للعبد بالعرض ، فإن الخفض للعبد بالأصالة والرفعة للحق فإنه رفيع الدرجات ، قال تعالى : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » فللبشر مقامات معلومة ، منها يكون المزيد لهم لا يتعدونها ، وإن زادوا علما فمن ذلك المقام ، فبالمقامات فضل اللّه كل صنف بعضه على بعض ، وهذا المقام هو الذي يكون فيه الإنسان عند آخر نفس يكون منه ، ويفارق الروح تركيب هيكله المسمى موتا ، فمن ذلك المقام يكون له المزيد ، ولهذا يقع التفاضل بين الناس في الدار الآخرة ، ويزيد اللّه الذين أوتوا العلم وهم مؤمنون على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم درجات ، فإن العلم في حق المخلوق وإن كان له الشرف التام الذي لا تجهل مكانته ولكن لا يعطي السعادة في القرب الإلهي إلا بالإيمان ، فنور الإيمان في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه ، فإذا كان الإيمان يحصل عنه العلم ، فنور العلم المولد من نور الإيمان أعلى ، وبه يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم ، ويزيد العلم فيرفع اللّه الذين أوتوا العلم على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم درجات ، يظهر فيها العلماء باللّه ليراهم المؤمنون ، ويحتمل أن يراد به العلماء بتوحيد